أحمد بن محمد القسطلاني
313
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
{ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً } [ الكهف : 54 ] . قيل : قاله تسليمًا لعذره ، وإنه لا عتب عليه ، قال ابن بطال : ليس للإمام أن يشدد في النوافل ، فإنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ قنع بقوله : أنفسنا بيد الله ، فهو عذر في النافلة لا في الفريضة . ورواة هذا الحديث الستة ما بين حمصي ومدني وإسناد زين العابدين من أصح الأسانيد وأشرفها الواردة فيمن روى عن أبيه عن جده ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في : الاعتصام والتوحيد ، ومسلم في : الصلاة ، وكذا النسائي . 1128 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ : " إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهْوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا " . [ الحديث 1128 - طرفه في : 1177 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) إمام الأئمة ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن عروة ) بن الزبير ( عن عائشة ، رضي الله عنها قالت ) : ( إن كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بكسر همزة إن مخففة من الثقيلة ، وأصله : إنه كان فحذف ضمير الشأن وخفف النون ، ( ليدع العمل ) بفتح لام : ليدع ، التي للتأكيد ، أي : ليترك العمل ( وهو يحب أن يعمل به خشية ) أي : لأجل خشية ( أن يعمل به الناس ، فيفرض عليهم ) بنصب فيفرض عطفًا على أن يعمل . وليس مراد عائشة أنه كان يترك العمل أصلاً ، وقد فرضه الله عليه أو ندبه ، بل المراد ترك أمرهم أن يعملوه معه ، بدليل ما في الحديث الآتي : أنهم لما اجتمعوا إليه في الليلة الثالثة ، أو الرابعة ، ليصلوا معه التهجد لم يخرج إليهم ، ولا ريب أنه صلّى حزبه تلك الليلة . ( وما سبح ) وما تنفل ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سبحة الضحى قط ، وإني لأسبحها ) أي : لأصليها . وللكشميهني والأصيلي : وإني لأستحبها من الاستحباب . وذكر هذه الرواية العيني ، ولم يعزها ، والبرماوي والدماميني عن الموطأ ، وهذا من عائشة إخبار بما رأت . وقد ثبت : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاها يوم الفتح ، وأوصى بها أبوي ذر ، وهريرة ، بل عدها العلماء من الواجبات الخاصة به . ووجه مطابقة هذا الحديث للترجمة من قول عائشة : " إن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به " . لأن كل شيء أحبه استلزم التحريض عليه لولا ما عارضه من خشية الافتراض . 1129 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ : قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ " . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن عروة بن الزبير ) بن العوام ( عن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ) : ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، صلّى ) صلاة الليل ( ذات ليلة ) أي : في ليلة من ليالي رمضان ( في المسجد ، فصلّى بصلاته ناس ، ثم صلّى من ) الليلة ( القابلة ) أي : الثانية . وللمستملي : ثم صلّى من القابل ، أي : من الوقت القابل ( فكثر الناس . ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة ، فلم يخرج إليهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . زاد أحمد في رواية ابن جريج : حتى سمعت ناسًا منهم يقولون الصلاة . والشك ثابت في رواية مالك . ولمسلم من رواية يونس ، عن ابن شهاب ، فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، في الليلة الثانية فصلوا معه ، فأصبح الناس يذكرون ذلك ، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج فصلوا بصلاته ، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله . ولأحمد من رواية سفيان بن حسين عنه : فلما كانت الليلة الرابعة غص المسجد بأهله ، ( فلما أصبح ) عليه الصلاة والسلام ( قال ) : ( قد رأيت الذي صنعتم ) أي : من حرصكم على صلاة التراويح . وفي رواية عقيل : فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس ، فتشهد ثم قال : " أما بعد ؛ فإنه لم يخف عليّ مكانكم " . ( ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم ) . زاد في رواية يونس : صلاة الليل فتعجزوا عنها ، أي : يشق عليكم فتتركوها مع القدرة . وليس المراد العجز الكلي ، فإنه يسقط التكليف من أصله . قالت عائشة : ( وذلك ) أي : ما ذكر كان ( في رمضان ) . واستشكل قوله : إني خشيت أن تفرض عليكم ، مع قوله في حديث الإسراء هن خمس ، وهن خمسون لا يبدل القول لديّ . فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة . وأجاب في فتح الباري باحتمال : أن يكون المخوف افتراض قيام الليل ، بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل بالليل ، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت : " حتى